وحين تتأمل مسألة غَضِّ البصر تجدها من حيث القسمة العقلية تدور حول أربع حالات: الأولى: أن يغضَّ هو بصره ولا تبدي هي زينتها ، فخطّ الفتنة مقطوع من المرسل ومن المستقبل ، الثانية: أن يغضَّ هو بصره وأن تبدي هي زينتها ، الثالثة: أن ينظر هو ولا تبدي هي زينتها . وليس هناك خطر على المجتمع إو فتنة في هذه الحالات الثلاث فإذا توفر جانب انعدام الآخر . إنما الخطر في القسمة الرابعة: وهي أن ينظر هو ولا يغضّ بصره ، وأنْ تتزين هي وتُبدي زينتها ، ففي هذه الحالة فقط يكون الخطر .
إذن: فالحق - تبارك وتعالى - حرَّم حالة من أربع حالات ؛ ذلك لأن المحرّمات هي الأقل دائماً ، وهذا من رحمة الله بنا ، بدليل قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . .} [الأنعام: 151] فالمحرمات هي المحصورة المعدودة ، أمّا المحللات فهي فوق الحصر والعَدِّ ، فالأصل في الأشياء أنها حلال ، وإذا أراد الحق سبحانه تحريم شيء نَصَّ عليه ، فانظر إلى هذه المعاملة الطيبة من ربك عز وجل .
وكما أمر الرجل بغضِّ بصره ، كذلك أُمِرَتْ المرأة بغضِّ بصرها ، لأن اللَّفْتة قد تكون أيضاً للرجل ذي الوسامة و. . وفإنْ كان حظ المرأة في رجل تتقحمه العين ، فلربما نظرتْ إلى غيره ، فكما يُقال في الرجال يُقال في النساء .
هذا الاحتياط وهذه الحدود التي وضعها الله عز وجل وألزمنا بها إنما هي لمنع هذه الجريمة البشعة التي بُدِئَتْ بها هذه السورة ؛ لأن النظر أول وسائل الزنا ، وهو البريد لما بعده ، أَلاَ ترى شوقي رحمه الله حين تكلم عن مراحل الغَزَل يقول:
نَظْرَةٌ فابتسَامَةٌ فسَلاَمٌ ... فكَلامٌ فموعِدٌ فَلِقَاءٌ
فالأمر بغَضِّ البصر لِيسدَّ منافذ فساد الأعراض ، ومَنْع أسباب تلوث النسل ؛ ليأتي الخليفة لله في الأرض طاهراً في مجتمع طاهر نظيف شريف لا يتعالى فيه أحد على أحد ، بأن له نسباً وشرفاً ، والآخر لا نسبَ له .