وقوله: {لِّلْمُؤْمِنِينَ . .} [النور: 30] فما داموا مؤمنين بإله حكيم ، وقد دخلوا حظيرة الإيمان باختيارهم لم يُرغمهم عليه أحد ، فلا بُدَّ أنْ يلتزموا بما أمرهم ربهم به وينفذوه بمجرد سماعه .
والغَضُّ: النقصان ، يقال: فلان يغُضُّ من قَدْر فلان يعني: ينقصه ، فكيف يكون النقصان في البصر؟ أينظر بعين واحدة؟ قالوا: البصر له مهمة ، وبه تتجلى المرائي ، والعين مجالها حر ترى كل ما أمامها سواء أكان حلالاً لها أو مُحرّماً عليها .
فنقص البصر يعني: قَصْره على ما أحل ، وكفّه عما حُرم ، فالنقص نقص في المرائي وفي مجال البصر ، فلا تعطي له الحرية المطلقة فينظر إلى كل شيء ، إنما تُوقِفه عند أوامر الله فيما يُرى وفيما لا يُرى .
و {مِنْ . .} [النور: 30] في قوله تعالى: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ . .} [النور: 30] البعض يرى أنها للتبعيض كما تقول: كُلْ من هذا الطعام يعني: بعضاً منه ، فالمعنى: يغضُّوا بعض البصر ؛ لأن بَعضه حلال لا أغض عنه بصري ، وبعضه محرم لا أنظر إليه .
أو: أن {مِنْ . .} [النور: 30] هنا لتأكيد العموم في أدنى مراحله ، وسبق أن تكلمنا عن (مِنْ) بهذا المعنى ، ونحن كلما توغلنا في التفسير لا بُدّ أن تقابلنا أشياء ذكرناها سابقاً ، ونحيل القارئ عليها .
قلنا: فرق بين قولك: ما عندي مال ، وقولك: ما عندي من مال . ما عندي مال ، يحتمل أن يكون عندك مال قليل لا يُعْتدّ به ، لكن ما عندي من مال نفي لجنس المال مهما قَلَّ ، فمِنْ تعني بدايةَ ما يقال له مال .
فالمعنى هنا: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ . .} [النور: 30] يعني: بداية مَا يُقال له بصر ، ولو لمحة خاطفة ، ناهيك عن التأمل وإدامة البصر .