الأولى: الجلد ثمانين جلدة، ووضحنا المعنى في التعبير بقوله (فَاجْلِدُوهُمْ) من حيث إن المراد ضرب يؤلم الجِلْد، فلا يكون ثمة حاجز يمنع إيلام الجلد كحشية أو نحو ذلك، وهذه عقوبة بدنية تصيب البدن وتؤلمه، وإذا كانت هذه عقوبة ومن قبل عقوبة الزانية فيها قسوة، فإنها رحمة بالجماعة المؤمنة من أن يفشو فيها الزنى، ويشيع، وفي ذلك فتنة وخراب وفساد كبير، وضياع للأمم، وللنسل، وخيانة للأمانة التي أودعها الله أصلاب الرجال، وأرحام النساء.
الثانية: إهدار أقوال القاذفين بألا تقبل لهم شهادة في قضاء، وهذا قوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) والأبدية توجب ألا تقبل لهم شهادة مطلقا: تابوا أو لم يتوبوا، وهذا ما قرره الحنفية وأكثر الفقهاء، وقرر الشافعية أن التوبة
النصوح تنهي هذه العقوبة؛ لأدن التوبة المقبولة تجبُّ ما قبلها من المعاصي؛ ولأن استثناء التوبة في الآية:
(إِلَّا الَّذِين تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) جاء بعد (لا تَقْبَلُوا) ، والحكم بالفسق، فيشمل الاستثناء منهما لَا من أحدهما، ونحن نميل إلى ما فهمه الحنفية، أولا لأن النص على الأبدية يمنع الاستثناء؛ ولأن (وَأُوْلَئِكَ هُم الْفَاسِقُونَ) جملة مستقلة، والجملة"ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا"قد انتهت، فلا يتعلق الاستثناء بها، ولأن هذا هو الذي يلائم أنها عقوبة، ولأن إشاعة الفاحشة أعظم جرائم اللسان، فيجب أن تتعلق العقوبة به.
العقوبة الثالثة: الوصف بالفسق في قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ، وهذه هي التي دخلها الاستثناء؛ لأنها في جملته والحكم بالفسق اقترن به الاستثناء، فخرج المستثنى من حكم المستثنى منه.