أما الاستثناء في قوله {إلا الذين تابوا} فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل ، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله {فاجلدوهم} أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه ، فليس للإمام أن يعفو عنه. ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق. إلا أن تابوا. بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة ، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية ، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية ، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف. ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته. وقوله {وأولئك هم الفاسقون} جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية ، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط. قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم ، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب. قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين ، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة ، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً ، وإن جاز البدل في غير هذه المادة. هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله صلى الله عليه وسلم"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"وإذا كانت التوبة من الكفر