يقرر صاحبنا هذا، وأنا لا أنكره عليه، ولا أغض من مقام الشافعى رحمه الله، ولكننى أقول: إن تقديم الكتاب بمثل هذا الكلام ناطق بأن الرجل متعصب لمذهبه، وشاهد عليه بأنه سوف يسلك فِي تفسيره مسلك الدفاع عن قواعد الشافعى، وفروع مذهبه، وإن أدَّاه ذلك إلى التعسف فِي التأويل.
وإذا لم يكفك هذا دليلاً على تعصب الرجل فدونك الكتاب، لتقف بعد القراءة فيه على مبلغ تعصب صاحبه وتعسفه.
*تأدبه مع الأئمة وحملته على الجصَّاص:
غير أن الهراسى - والحق يقال - كان عَفّ اللسان والقلم مع أئمة المذاهب الأخرى، ومع كل مَن يتعرض للرد عليه من المخالفين، فلم يخض فيهم كما خاض الجصَّاص فِي الشافعى وغيره، وكل ما لاحظناه عليه من ذلك هو أنه وقف من الجصَّاص موقفاً كان فيه شديد المراس، قوى الجدال، قاسى العبارة، إذ أنه عرض لأهم مواضع الخلاف التي ذكرها الجصَّاص فِي تفسيره وعاب فيها مذهب الشافعى، ففنَّد كل شُبهة أوردها، ودفع كل ما وجهه إلى مذهب الشافعى، بحجج قوية يسلم له الكثير منها، كما أنه اقتص للشافعى من الجصَّاص، فرماه بالعبارات الساخرة، واللفاظ المقذعة"والجزاء من جنس العمل".
فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فِي الآية [23] من سورة النساء: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} .... الآية، نجده يرد على الجصَّاص ما استدل به لمذهبه القائل بأن الزنا بامرأة يُحَرِّم على الزانى أُصول المرأة وفروعها، ويُفنِّد ما رد به الجصَّاص على الشافعى فِي هذه المسألة، ثم يقول فِي شأن الجصَّاص:"إنه لم يفهم معنى كلام الشافعى رضي الله عنه، ولم يميز بين محل ومحل، ولكل مقام مقال، ولتفهم معاني كتاب الله رجال، وليس هو منهم".