فأنت ترى من هذه المقدمة أن صاحبنا يعترف بالمعاني الظاهرة للقرآن، ويقرر أن ما ذكره فِي كتابه ما هو إلا سوانح سنحت له من حقائق القرآن، وإشارات تجلَّت له من جانب الرحمن، كما ترى فيها وصفة لكتابه والمسلك الذي سلكه فيه، غير أنى ألحظ فِي قوله:"واستعنتُ به لمراده، ومواطئاً لسُنَّة رسوله"أنه يريد أن يقرر أن كل ما فِي كتابه من المعاني ليس إلا تفسيراً لكتاب الله وبياناً لمراده منه، وهذا هو ما لا نقره عليه، ولا نُسلِّمه له، لأن هذه المعاني الغريبة التي يأتى بها فِي تفسيره لا يمكن أن تكون داخلة تحت مدلول اللَّفظ القرآني، ولا يعقل أن تكون مرادة الله تعالى من خطابه لأفراد الأُمة، وحسبه أن نقره على أنها ذكر لنظير ما ورد به القرآن.
وإليك بعض ما جاء فِي هذا التفسير:
في سورة التوبة عند قوله تعالى فِي الآية [91] : {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} .. يقول:"وصف الله زُمرة أهل المراقبات، ومجالس المحاضرات، والهائمين فِي المشاهدات. والمستغرقين فِي بحار الأزليات، الذين أنحلوا جسومهم بالمجاهدات، وأمرضوا نفوسهم بالرياضات، وأذابوا قلوبهم بدوام الذكر، وجولانها فِي الفكر، وخرجوا بعقائدهم الصافية، عن الدنيا الفانية بمشاهدته الباقية، بأن رفع عنهم بفضله حَرَج الامتحان، وأبقاهم فِي مجلس الأُنس ورياض الإيقان، وقال: {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ} يعني الذين أضعفهم حمل أوقار المحبة، {وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى} الذين أمرضهم مرارة الصبابات، {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} الذين يتجردون عن الأكوان بتجريد التوحيد وحقائق التفريد، {حَرَجٌ} : عتاب من جهة العبودية والمجاهدة، لأنهم متقولون بسيف المحبة، مطروحون بباب الوصلة، ضعفهم من الشوق، ومرضهم من الحب، وفقرهم من حسن الرضا".