«فَإِنْ قِيلَ» : وَكُلُّ رَحْمَةٍ خَيْرٌ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الْخَيْرِ؟
قُلْنَا: لِأَنَّ أَشْرَفَ أَقْسَامِ الْخَيْرِ هُوَ الرَّحْمَةُ، فَجَازَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ ذِكْرِ الْخَيْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [الْبَقَرَةِ: 98] قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ بَعِيدَةٌ لِأَنَّهُ تَبَاعَدَ الْمَعْطُوفُ عَنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الْبُعْدُ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَطْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ) [الزخرف: 88] إِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى قَوْلِهِ: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) [لقمان: 34] تَقْدِيرُهُ: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَعِلْمُ قِيلِهِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا وَجْهُ قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَرَحْمَةً بِالنَّصْبِ؟
قُلْنَا: هِيَ عِلَّةٌّ مُعَلِّلُهَا مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَرَحْمَةً لَكُمْ يَأْذَنُ إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ، لِأَنَّ قوله: (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يدل عليه.
(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ(62)
قَوْلُهُ: (يُرْضُوهُ) بَعْدَ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ الرَّسُولِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُذْكَرُ مَعَ غَيْرِهِ بِالذِّكْرِ الْمُجْمَلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ هُوَ اللَّهُ،
فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ.
وَيُرْوَى أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الْكُفَّارِ رَفَعَ صَوْتَهُ.
وَقَالَ: إِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَلَا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَسَمِعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَقَالَ: «وَضَعَ الْحَقَّ فِي أَهْلِهِ»
الثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُرْضُوهُمَا فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ:
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ