وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَالِمَ بِالْأَسْرَارِ وَالضَّمَائِرِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِخْلَاصُ الْقَلْبِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَلِهَذَا السَّبَبِ خَصَّ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ.
الْخَامِسُ: لَمَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ رِضَا الرَّسُولِ مُطَابِقًا لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَامْتَنَعَ حُصُولُ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا وَقَعَ الِاكْتِفَاءُ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا كَمَا يُقَالُ: إِحْسَانُ زَيْدٍ وَإِجْمَالُهُ نَعَشَنِي وَجَبَرَنِي.
السَّادِسُ: التَّقْدِيرُ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وَرَسُولُهُ كَذَلِكَ.
(يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ(64)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْمُنَافِقُ كَافِرٌ فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الْوَحْيِ عَلَى الرَّسُولِ؟
قُلْنَا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: هَذَا حَذَرٌ أَظْهَرَهُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ حِينَ رَأَوُا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَدَّعِي أَنَّهُ عَنِ الْوَحْيِ، وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، وفي قوله: (اسْتَهْزِؤُا) دَلَالَةٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ إِلَّا أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يُضْمِرُونَهُ وَيَكْتُمُونَهُ، فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وَقَعَ الْحَذَرُ وَالْخَوْفُ فِي قُلُوبِهِمْ.
الثَّالِثُ: قَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صَادِقًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَعِنَادًا.
قَالَ الْقَاضِي: يَبْعُدُ فِي الْعَالِمِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَصِحَّةِ دِينِهِ أَنْ يَكُونَ مُحَادًّا لَهُمَا.