والقول في ذلك أنه يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البناءين ، ويجوز أن يكون بين البانيين ، فإذا عادلت بين البانيين ، كان المعنى: المؤسس بنيانه متّقيا خير أم المؤسّس بنيانه غير متّق ؟ لأن قوله: على شفا جرف يدلّ على أن بانيه غير متّق لله ولا خاش له ، ويجوز أن يقدّر حذف المضاف كأنّه أبناء من أسّس بنيانه متّقيا خير أم بناء من أسّس بنيانه على شفا جرف ؟ والبنيان: مصدر وقع على المبني مثل الخلق إذا عنيت به المخلوق ، وضرب الأمير: إذا أردت به المضروب ، وكذلك نسج اليمن . يدلّك على ذلك أنه لا يخلو من أن يراد
به اسم الحدث ، أو اسم العين ، فلا يجوز أن يكون الحدث ، لأنه إنّما يؤسس المبني الذي هو عين .
ويبين ذلك أيضا قوله على شفا جرف والحدث لا يعلو شفا جرف .
والجار في قوله: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسّس بنيانه متّقيا خير ، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ؟ . والمعنى:
أمّن أسّس بنيانه غير متق ، أو: من أسس بنيانه معاقبا على بنائه ؟ وفاعل انهار: البنيان ، أي: انهار البنيان بالباني في نار جهنم ، لأنه معصية ، وفعل لما كرهه الله سبحانه من الضرار ، والكفر ، والتفريق بين المؤمنين ، وعلى شفا جرف: حال كما كان قوله جلّ وعز: على تقوى من الله حالا .
اختلفوا في الإمالة والفتح من قوله جل وعز: هار فانهار [التوبة/ 109] .
فقرأ ابن كثير ، وعاصم في رواية هبيرة عن حفص وحمزة: هار بفتح الهاء .
الأعشى عن أبي بكر (هار) مفخّمة .
وأمال الهاء نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر ، والكسائي ، بالإمالة وليس عندي عن ابن عامر في هذا شيء .
وقال غير أحمد بن موسى: قراءة ابن عامر مفخّمة .
قال أبو علي: أما حجّة من لم يمل ؛ فإنّ كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات ، وترك الإمالة هو الأصل .