كانوا ماتوا تائبين منها ما حبسوا على الأعراف ، ولأدخلوا الجنة مع الداخلين من فور فراغهم من الحساب ، وقد أخبر الله - جل وعلا - أنه يدخلهم الجنة بعد ما حبسهم عنها مدة كما ترى.
فإن قالوا: ليس هؤلاء المعتقرين أصحاب الأعراف ، كان أوفد للحجة عليه ، إذ هم لا محالة ، وإن أخطئوا أصحاب الأعراف - من أصحاب النار.
قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
حجة على الجهمية ؛ لأن الاستواء في هذا الموضع هو الاستقرار ، فقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
أي استقر عليه ، فهو بما استقل العرش منه جل جلاله له حد عند نفسه لا بحد يدركه
خلقه والمحيط بالأشياء علمه سبحانه.
وقولهم: الاستواء: الاستيلاء من غير جهة خطأ.
فأولها: المكابرة في اللغة ، تقول العرب: استوى فلان على الفرس
أي استقر عليه ، قال الله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44)
أي: استقرت السفينة عليه.
أفيجوز أن يقال: استولت السفينة على الجبل ، وإذا كان الرجل في شيء ، ثم تركه وعمد لغيره يقال: استوى إلى كذا ، قال الله تبارك
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)
ويقال: استوى الميزان والحساب إذا اعتدلا ، واستوى الراكع وغيره
إذا اعتدل بعد الانحناء.
فهذه وما شاكلها مواضع الاستواء لا نعرف في شيء من شواذ اللغات ولا مشهورها أحدا عد الاستواء استيلاء ، إذ الاستيلاء: هو الغلبة والقهر والتملك.
فهل كان العرش ممتنعا عليه خارجا من يديه حتى استولى عليه ،