والمعنى: أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفي الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتاً أو ضحوة؟
لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون، وعن سنن الله في خلقه غافلون، فإنه {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} أي: إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها الله في أنحاء هذا الكون.
هذا، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر، لأنه استرسال في المعاصي اتكالا على عفو الله.
وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس، لقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} وقوله: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} .
قال الزمخشري: قوله تعالى: {تِلْكَ القرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} كقوله: {وهذا بَعْلِي شَيْخاً} في أنه مبتدأ وخبر وحال. ويجوز أن يكون القرى صفة لتلك ونقص خبراً، وأن يكون {القرى نَقُصُّ} خبراً بعد خبر.
«فإن قلت» : ما معنى {تِلْكَ القرى} ؟
حتى يكون كلاما مفيداً. قلت: هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم.
«فإن قلت» : ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها) ؟
قلت: معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أخبارها ولها أنباء أخرى لم نقصها عليك"."
وإنما قص الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أنباء أهل هذه القرى، لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها الله لمن أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليحترسوا عن مثل تلك الأعمال، وليعتبروا بما أصاب الغافلين الطاغين من قبلهم.
(قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء حيث قال: {قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ} أي قال فرعون للملأ حوله {إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} ؟