وقال صاحب الانتصاف: إنه يسلم استعمال"العود"بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات} والآخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الآخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشئ في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسراً لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان، إخباراً بالآخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره في هذه المواضع، تحقيق التمكن والاختيار؛ لإقامة حجة الله على عباده"."
هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول شعيب {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ولعل أرجحها هو الرأي الذي اختاره صاحب الكشاف"لبعده عن التكلف، واتساقه مع رد شعيب عليهم". فقد قال لهم:
{أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} . أي: أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة. لا. لن نعود إليها بأي حال من الأحوال.
(وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ(90)
وحذف متعلق الخسران ليعم كل أنواعه الدينية والدنيوية.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : أين جواب القسم الذي وطأته اللام في قوله: {لَئِنِ اتبعتم} وجواب الشرط؟
قلت: قوله: {إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} ساد مسد الجوابين"."
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : فلم رجع فعطف بالفاء قوله: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله} ؟
قلت: هو تكرير لقوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى} ومكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له: مالي أراك لا تنام والناس ينامون؟
فقال: با بنتاه إن إباك يخاف البيات.
أراد قوله: {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً} .