قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه
«فإن قلت» : إلام يرجع الضمير في {آمَنَ بِهِ} ؟
قلا: إلى كل صراط، والتقدير: توعدون من آمن به وتصدون عنه. فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون عنه.
وقوله: توعدون. وتصدون، وتبغون هذه الجمل أحوال، أي: لا تقعدوا موعدين وصادين، وباغين، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف خاطبوا شعيبا عليه السلام - بالعود في الكفر في قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وكيف أجابهم بقوله: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} والأنبياء - عليهم السلام - لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟
قلت: قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب - عليه السلام - جوابه فقال: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا} وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.
هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها:
1 -أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم.
2 -أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهاماً لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب - عليه السلام - كان على طريق المشاكلة.
3 -أن قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيراً ما يرد"عاد"بمعنى"صار"فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا"."
قال الإمام الرازي: تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكره، يريدون: قد صار منه المكر ابتداء.