وقد عدّدت أيّام البلاء ... فهل عددت أيّام الرّخاء
انتهى.
{فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) }
وإنما قال هارون تلك المقالة لأنّه خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى عليه السلام غضبان عليه، كما أنّه غضبان على عبدة العجل.
وفي هذا دليل على أنّ هارون كان دون موسى في شدة العزيمة، وقوة الإرادة، وأخذ الأمور بالحزم، وهذا ما أطبق عليه المسلمون وأهل الكتاب.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) }
قال في «الخازن» : ثم للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل، الذين باشروا عبادته، وعلى هذا القول ففي الآية سؤال وهو: أن أولئك الأقوام الذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم، كما أمرهم الله تعالى، فتاب عليهم، فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: أن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا، وهو نفس القتل، فكان ذلك القتل غضبا عليهم، والمراد بالذلة هو: إسلامهم أنفسهم للقتل، واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ.
فإن قلت: السين في قوله: {سَيَنالُهُمْ} للاستقبال، فكيف تكون للماضي؟
قلت: هذا الكلام إنّما هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنّه {سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ} فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه، وهو القتل الذي أمرهم الله به بعد ذلك.
والقول الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم كما مر عن الواحدي آنفا. انتهى مع زيادة.
{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) }
قال الزمخشري:
فإن قلت: هلا قيل: فآمنوا بالله وبي، بعد قوله: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} ؟
قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في طريقه الالتفات من البلاغة، وليعلم أنّ الذي يجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنّه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا للنصفة.