قيل: بدأ بالعصا دون سائر المعجزات لأنّها معجزة تحتوي على معجزات كثيرة، قالوا منها: أنّه ضرب بها باب فرعون ففزع من قرعها، فشاب رأسه فخضبه بالسواد، فهو أول من خضب السواد.
ومنها: انقلابها ثعبانا، وانقلاب خشبة لحما ودما قائما به الحياة من أعظم الإعجاز، ويحصل من إنقلابها ثعبانا من التهويل ما لا يحصل في غيره، وضربه بها الحجر فينفجر عيونا، وضربه بها الأرض فتنبت، قاله ابن عباس، ومحاربته بها اللصوص والسباع القاصدة غنمه، واشتعالها في الليل كاشتعال الشمعة، وصيرورتها كالرشا لينزح بها الماء من البئر العميقة، وتلقفها الحبال والعصي التي للسحرة، وإبطالها لما صنعوه من كيدهم وسحرهم.
{قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) }
فإن قلت: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ هذا الكلام من قول الملأ لفرعون، وقال في سورة الشعراء: {قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ} فكيف الجمع بين الآيتين؟
قلت: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولا، ثم إنّهم قالوه بعده، فأخبر الله تعالى عنهم هنا، وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء. وقيل: يحتمل أنّ فرعون قال هذا القول، ثم إنّ الملأ من قومه - وهم خاصته - سمعوه منه، ثم إنّهم بلغوه إلى العامة، فأخبر الله عز وجل هنا عن الملأ، وأخبر هناك عن فرعون، والله أعلم.
{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) }
قال الزمخشري:
فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة - أعني قوله: {قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ} - من الواو، وأدخلت على التي قبلها - أعني قوله: {وَقالَ الْمَلَأُ} ؟
قلت: هذه جملة مستأنفة، والتي قبلها معطوفة على ما سبقها من قوله: {قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ} . انتهى.
{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ... (131) }
قال الزمخشري:
فإن قلت: كيف قيل: {فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} بـ {إذا} وتعريف الحسنة، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بـ {إِنْ} وتنكير السيئة؟
قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه، كالواجب لكثرته واتساعه، وأما السيئة: فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا يسير منها، ومنه قول بعضهم: