{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) }
فإن قيل: إن هؤلاء القوم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة ينبئ عن الكثرة؟
فالجواب: أنّهم لما أخلصوا في الدين جاز إطلاق الأمة عليهم كقوله تعالى: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً} . اه كرخي.
{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) }
وجملة قوله: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ؛ أي: فترفع الله سبحانه وتعالى، وتنزه عن شركة ما يشرك به الكفار، من الأصنام والطواغيت، معطوفة على جملة قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ} والتقدير: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، فتعالى عما يشركون، ويكون في قوله: {يُشْرِكُونَ} التفات وما بينهما، وهو قوله: {وَجَعَلَ مِنْها} إلى قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما} اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه.
وفي «الكرخي» : هذه الجملة مسببة معطوفة على خلقكم؛ أي: وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويوضح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصة واحدة لقال: عما يشركان، كقوله: {دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما} اه، ويؤيد هذا التأويل قراءة السلمي: {عما تشركون} بتاء الخطاب، التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.
وقال بعض المفسرين: وقد نسب هذا الجعل إلى آدم وحواء، والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا.
وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا التأويل، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال: {فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم قال: فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. اهـ
وقال صاحب «الانتصاف» : إن المراد جنس الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى - والله أعلم -: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى .. جرى من هذين الجنسين كيت كيت، وإنّما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأنّ المشركين منهم، كقوله: {وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) }