{وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الأنعام: 130] ، يعني: قد أتتكم من الله الإلهامات بما يصلح لكم، وبما يفسد استعدادكم الفطري، ويخوفكم من سوء العاقبة والحرمان عن لقاء الحق، والابتلاء بشقاوة الأبد، وأنتم ما اتعظتم بها وأبيتم قبولها، {قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} [الأنعام: 130] ؛ يعني: النفس بصفاتها، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأنعام: 130] ؛ أي: لذاتها وشهواتها وزينتها وزخارفها، {وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] ؛ يعني: أقروا عند الحرمان عن السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا عند صدأ مرآة قلوبهم وسائري صفاتها عن قبول فيض النور وشواهد الحق.
{ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى} [الأنعام: 131] ؛ يعني: قرى أشخاص الإنسان، {بِظُلْمٍ} [الأنعام: 131] ، والظلم: هو صرف الاستعداد الفطري لقبول الفيض في استيفاء لذات الطبع وشهوات النفس، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] ، عن إنذار رسل الإلهامات الربَّانية، وذلك أن الاستعداد الروحاني لا يفسد استيفاء حظوظ الحيواني في الطفولية، إلا بعد أن يصير العبد مستعداً لقبول فيض العقل وفيض الإلهام عند البلوغ، فيخالف الإلهامات ويتبع الهوى، فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي، كقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] ، وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوماً بلغهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولاً، فيخالفونه فيعذبهم بها.