ثم أخبر عن خسران أهل الخسارات بقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 30] ، إلى قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32] ، الإشارة فيها أن القيامة يوم ينكشف فيه الأسرار وتنتهك فيه الأستار، فكم من محلل بثوب تقوية حكم له مقارنوه بأنه زاهد في دنياه، راغب في عقباه، محب طولاه، مفارق لهواه، كشف الأمر عما توهموه فافتضح عندهم بغير ما ظنوه، ولو ترى إذ وقفوا على ربهم غداً؛ أي: وقفوا على ربوبيته عند ظهورها بالقهر ولو وقفوا على الربوبية في الدنيا لوقفوا عند ظهورها باللطف، فمن خفي عليه الربوبية؛ فلغلبة القهر، ومن ظهر له به الربوبية اليوم؛ فغلبة اللطف بلسان القهر {قَالَ} [الأنعام: 30] ، لأهله {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 30] ، قهر الربوبية {قَالُواْ} [الأنعام: 30] ، بلسان ذوق القهر {بَلَى وَرَبِّنَا} [الأنعام: 30] ، الذي أذقنا ألم قهر الربوبية {قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ} [الأنعام: 30] ؛ أي فذوقوا ألم عذاب البعد عند ظهور القهر فإنكم كنتم معذبين به في الدنيا، ولكن ما كنتم تذوقون ألم عذابه كالذي يأكل مال اليتيم إنما يأكل في بطنه ناراً، ولكن لا يذوق ألمها يوم القيامة قوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30] ؛ يعني: بسبب الحجاب الذي كنتم بسببه تكفرون في الدنيا تذوقون ألم عذاب البعد في الآخرة {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ} [الأنعام: 31] ؛ يعني: أفسدوا استعداد الروحانية الذي كانوا به ملاقي ربهم يوم الميثاق فمن فسادهم كذبوا في الدنيا بلقاء الله وهو الوصول إلى الله في الدنيا والرجوع إليه في الآخرة، فخسروا بسبب التكذيب سعادة الدارين لا من الجاه والمال والمقام والحال بل من الوصول كما قيل شعر:
لعمري لئن أزرفت دمعي فإنه ... لفرقة من أفنيت في ذكره سرى