ولقد كان الفقيه أبو القاسم بن القصير (أ) مدرساً بمدرسة ابن اللوز يفسر القرآن فيها، وكان لا يحفظه فأنكر عليه أبو الحسن على العبيدلي (ب) .
وقال له: لا يحل لك التفسير حتى تحفظ القرآن كلّه.
فأخذ ذلك منه بالقبول وأقبل على درس القرآن حتى حفظه.
فقيل لابن عرفة: كيف يشترط حفظ القرآن فِي هذا وهو ناقل للتفسير فقط، وإنما يشترط ذلك فِي المنقول عنه؟
فقال: ألا ترى أنا لا نجيز الفتوى (والتدريس) لمن ينظر فِي مسألة واحدة فِي الكتب حتى يشخص جميع مسائل الكتب كلها إذ قد يكون بعضها مقيداً لبعضها.
فكذلك هذا فلعل مفسراً آخر يستحضر آية تقيدها، أو نحو ذلك، فتحصّل من هذا أنّ فرض الكفاية باعتبار أصل التفسير (قد ارتفع) قبل أن يقع البعض به وفرض الكفاية باعتبار نقل التفسير لم يزل باقياً.
قيل لابن عرفة: بل نقول: إنه فرض عين ويجب على من يقرأ (القرآن) أن يفهم المعنى؟
فقال: كان الصحابة فِي الزمن الأول (يعلمون) الإعجام لألفاظ القرآن بدون معانيه، وإن كان قد قال الفقهاء: فيما إذا اجتمع الأفقه والأقرأ: إنّه يقدم الأفقه (ج) ، وحملوا قوله (صلى الله عليه وسلم) :"يؤم (القوم) أقرؤهم" (أ) على أن الأقرأ فِي ذلك الزمان هو الأعلم (إذ) كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق به من الأحكام، والمعاني قاله ابن بشير (ب) وغيره.
ويحكى أن سيدي الفقيه الصالح أبا العباس بن عجلان (ج) رأى رجلاً يضبط المصحف (بالأحمر) فأنكر عليه، وضربه ضربة فِي وجهه (بخوصة) (د) .
ثم لقيه بعد ذلك فجعل يطلب منه (العفو) وندم على (ما فعله له) ، ورأى أنّه لا يستحق به تلك العقوبة.
ونقل عن العبيدلي أنه كان يمنع المؤدبين الذين لا يحسنون رسم المصحف من الإقراء.
(وهكذا) كان العمل بتونس لا يقرئ إلا من يحسن الضبط (بقراءة) ورش (ه) ولا يباع فِي الكتبيين إلا المصحف المصحح. انتهى انتهى. {تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ 59 - 63}