والمائدة: هي ما يوضع عليه الطعام، يسمَّى قديماً خُواناً [1] ، ولذلك تقرءون في الأحاديث: «ما أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خُوانٍ أو على خِوانٍ قط» [2] ، يعني: ما أكل أبداً طعاماً وضعه على شيء مرتفع عن الأرض، إنما كان يضع طعامه على الأرض ويأكل منه، تواضعاً من النبي عليه الصلاة والسلام وسلوكاً رشيداً، وهو ما يسمّى اليوم أو قبل اليوم بقليل طبلية، وما يسمَّى اليوم سفرة، وصارت ركناً من أركان البيت الجديد الذي يؤسس، لا بُدَّ من سفرة ولا يأكل الناس عليها، فهي خُوانٌ معطّل.
على كل حال المائدة هي ما يوضع عليه الطعام عند تناوله، ما استعمله أبداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرفع الطعام عن الأرض، وفي ذلك بالتأكيد حكمةٌ بليغة رشيدة.
وتسمَّى هذه السورة -أيضًا- بسورة العقود [3] .
والعقود: جمع عَقْد [4] ، وهو ما تعاقد عليه شخصان فأكثر؛ الشيء الذي تعاقد عليه اثنان فأكثر، عقد زواج بين ولي وزوج، عقد بيع بين بائع ومشترٍ، عقد هبة بين واهب وموهوب إليه .. وهكذا، عقد اتفاق معين موثق مشدد بين طرفين فأكثر، وقريبٌ منه العهد -بالهاء- وليس بالقاف، لكن العهد قد يكون بين الإنسان ونفسه، بين شخص بمفرده يعاهد نفسه على شيء معين، يعاهد نفسه أنه لن يشرب السجائر أبداً بعد اليوم، هذا عهد ولا بُدَّ أنْ يوفيّ به ليكون صادقاً مع نفسه، عاهد أنَّه لن يفعل المعصية الفلانية التي تعود عليها، عاهد نفسه أن يقيم الليل، عاهد نفسه أن يقرأ كل يوم جزءاً من القرآن، هذا يسمى عهداً ولا يسمَّى عقداً [5] ، لأنه تعاهدٌ بين شخص ونفسه، هو طرف واحد انتزع من نفسه طرفاً آخر ليتعاهد معه، لكن ليس هناك طرفان أو ليس هناك شخصان.