ثم أخبر عن نجوى أصحاب الهوى بقوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ} [النساء: 114] ، إشارة في الآيتين: إن لا خير في كثير من نجواهم؛ أي: الذين يتناجون من النفس والهوى والشيطان؛ لأنهم شراً، ولا فيما يتناجون به؛ لأنهم يأمرون بالسوء والشر والفحشاء والمنكر، ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] ، إلا فيمن أمر بهذه الخيرات فإنه فيه الخير وهو الله تعالى، فإنه يأمر بالخيرات بالوحي عموماً، ويأمر بالخاطر الروحاني والإلهام الرباني خواص عباده، والخاطر يكون بواسطة الملك وبغير الواسطة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أَلا وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لمَّةٌ، وَلِلْشَيْطَانِ لمَّةٌ، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ لِخْخَيْرِ، وَلمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، فَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الْمَلَكِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ لمَّةَ الشَّيْطَانِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ ذَلِكَ"، والإلهام ما يكون من الله تعالى بغير الواسطة؛ وهو على ضربين:
ضرب منه: ما لا شعور للعبد به إنه من الله تعالى، وضرب منه: ما يكون بإشارة صريحة يعلم العبد إنه وارد من الله تعالى بتعليم نور الإلهام، وتعريفه لا يحتاج إلى معرف آخر إنه مع الله تعالى، وهذا يكون بالولي وغير الولي، كما قال بعض المشايخ: حدثني قلبي عن ربي، وقال صلى الله عليه وسلم:"إن الحق ينطق على لسان عمر".
وقال:"كادت فراسة عمر أن تسبق الوحي"، ثم قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [النساء: 114] ، أي: من يفعل بما ألهمه الله تعالى طلباً لمرضاته: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] ذكر بقاء التعقيب قوله: {فَسَوْفَ} [النساء: 114] ؛ يعني: عقيب الفعل {نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 114] ، وهو جذبة العناية التي تجذبه عنه وتوصله إلى العظيم.