ثم قال تعالى دفعاً للهوى حبس النفسانية ووساوس الشيطانية في التخويف بالموت والإبعاد بالفوت {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ} [النساء: 100] أي: ببيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل أخلاقها {مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وطالباً له في متابعته، {وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء: 100] قبل وصوله، {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ} [النساء: 100] ؛ يعني: فقد أوجب الله تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته أن يبلغه إلى أقصى مقاصده وأعلى مراتبه في الوصول ينال على صدق نية وخلوص طوية إذا كان المانع من أجله، ونية المؤمن أبلغ من عمله، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً} [النساء: 100] ؛ لذنب بقية أنانية وجوده، {رَّحِيماً} [النساء: 100] ، عليه بتجلي صفة جوده ليبلغ العبد إلى كمال مقصوده بمنِّه وكرمه وسعة وجوده.
ثم أخبر عن خوف الأعداء على طريق الأولياء بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} [النساء: 101] ، إلى قوله: {عَذَاباً مُّهِيناً} [النساء: 102] .
والإشارة فيها: إن الله تعالى خلق الخلق للعبودية والمعرفة، وقد جعلها مخبأة، فأما العبودية ففي صورة الصلاة، وأما المعرفة ففي التكبيرات والتسبيحات وسائر أركان الصلاة وشرائطها مودعة، وليس هذا موضع شرحها وسنبينها في موضعها إن شاء الله تعالى، فلهذا المعنى فرض الصلاة في الخوف وشدة القتال والحضر والسفر والصحة والمرض، فإن الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد؛ ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام مترقياً مقامات العبودية والمعرفة، كما قال تعالى: