وقال الله تعالى في هذه الآية: { وآتيناه الحكم صبيًا } يعني آتيناه ـ أي يحيى ـ الحكم في صباه ولكنه لم يقل آتيناه النبوة والحكم بمعنى الحكمة ويقول المفسرون: إن الحكم هنا بمعنى الحكمة .
علاوة على هذا فقد فرق الله بين الحكم وبين النبوة في سورة الأنعام الآية 98 عندما تحدث عن الأنبياء ومن جملتهم سيدنا يحيى . قال تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين } .
فالحكم في هذه الآية بمعنى الحكمة وعلى هذا ثبتت الحكمة لغير الأنبياء طبقًا للقرآن فهي ثابتة للأنبياء من باب أولى ، وبعضهم جعل الحكم بمعنى القضاء يعني القضاء بين الناس كما قال الله في سورة النساء: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ومن معاني كلمة الحكم الأمر ، إذ يقال في الإدارات الحكومية صدر حكم فلان .
ثالثًا: لو قال الله تعالى في تلك الآية بشأن يحيى { آتيناه الحكم صبيًا } مثلًا لقلنا إنه كان حكيمًا عندما ولد ؛ ولكن الله تعالى قال ( صبيًا ) والصبا فترة قبل الشباب وليست مرحلة الرضاعة كمازعموا بشأن الصبي ( الذي يكون دون الفتى عمرًا ) بناءً على هذا يمكننا القول إن الله أعطى الحكمة لسيدنا يحيى في سن الثانية عشر وإن الحكمة التي أعطاها الله إياها كانت تتناسب وسنه آنذاك قياسًا على فهم أقرانه في ذلك السن .
كما يحدث في زماننا هذا أن يعطي اللهُ الفهمَ والنبوغَ والاستعدادَ الخاص لبعض الصبيان دون سواهم ، كذلك الطفل اليهودي البالغ الحادية عشرمن عمره والذي يشارك في الهيئة الذرية الأمريكية ويبدي الرأي ، وبعض الفتيان الذين يشاركون في الفنون الأخرى .