فأجاز جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين أن يستسلم وهو أحد قولي الشافعي، وقال بعض العلماء: لا يسلم بيده بل يستنصر ويقاتل. ولكل من القولين وجه ودليل، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.
و قال بعض العلماء: ولو اجتمع أهل المشرق والمغرب على نصرة عثمان لم يقدروا على نصرته لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنذره في حياته فأعلمه بالبلوى التي تصيبه، فكان ذلك من المعجزات التي أخبر بوقوعها بعد موته صلى اللّه عليه وسلم، وما قال رسول اللّه شيئا قط إلا كان.
و قال حسان بن ثابت:
قتلتم وليّ اللّه في جوف داره ... وجئتم بأمر جائر غير مهتد
فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا ... على قتل عثمان الرشيد المسدّد
وخرّج مسلم في «صحيحة» قال: وحدّثنا محمد بن المثنى ومحمد بن حاتم، قالا: حدّثنا معاذ بن معاذ، قال: حدّثنا ابن عوف، عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجرعة فإذا رجل جالس، فقلت له: ليهراقنّ اليوم هاهنا دم.
فقال ذلك الرجل: كلا واللّه. قلت: بلى واللّه. قال: كلا واللّه. قلت: بلى واللّه.
قال ثلاثا: كلا إنه لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدّثنيه. قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا تنهني! ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه أسائله، فإذا الرجل حذيفة «1» .
و الجرعة: موضع بجهة الكوفة على طريق الحيرة، قيده الحفاظ بفتح الجيم والراء، وقيده بعض رواة الحفاظ أيضا بإسكان الراء، وهو يوم خرج فيه أهل الكوفة متألبين متعصبين ليردوا إلى عثمان بن عفان وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وكان رده سنة أربع وثلاثين. وكتبوا إلى عثمان أن يولّي عليهم أبا موسى الأشعري، فلم يزل واليا عليهم إلى أن قتل عثمان، ولما سمع بقتله يعلى بن أمية التميمي الحنظلي أبو صفوان. ويقال أبو خالد، أسلم يوم الفتح وشهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حنينا والطائف وتبوك، وكان صاحب الجند وصنعاء- أقبل لينصره فسقط عن بعيره في الطريق فانكسرت فخذه، فقدم مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير واستشرف إليه الناس واجتمعوا، فقال: من خرج يطلب بدم عثمان فعليّ جهازه فأعان الزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قريش،
(1) أخرجه مسلم (2893) .