يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة» وهذه حالة مختصّه بغير الشهداء.
و في «صحيح مسلم» عن مسروق قال: سألنا عبد اللّه بن مسعود عن هذه الآية:
وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169] فقال:
أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شي ء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرّات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» «1» .
فصل
قلت: وهنا اعتراضات خمسة:
الأول: إن قيل: ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام» ؟ قلنا: هو عموم يخصصه ما ذكرنا، فهو محمول على غير الشهداء.
الثاني: فإن قيل: فقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه» «2» . قلنا: قال أهل اللغة: تعلق بضم اللام تأكل، يقال: علقت تعلق علوقا.
و يروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر، ومعناه: تسرح. وهذه حالة الشهداء لا غيرهم، بدليل الحديث المتقدم، وقوله تعالى: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ولا يرزق إلا حيّ، فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلّا للشهيد في سبيل اللّه، بإجماع
(1) أخرجه مسلم (1887) .
(2) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 156/ 49) - كتاب الجنائز (16) ، باب جامع الجنائز (16) .
و غيره، وهو في «الصحيحة» تحت رقم (995) .