و قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه: ما من مؤمن إلا والموت خير له، فمن لم يصدّقني فإن اللّه تعالى يقول: وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [آل عمران: 198] وقال تعالى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ [آل عمران: 178] وقال حيان بن الأسود: «الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب» .
قال اللّه عزّ وجلّ مخبرا عن يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ الآية [يوسف: 101] وعن مريم عليها السلام في قولها: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم: 23] .
(مالك) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:
«لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه» «1» .
فصل
قلت: لا تعارض بين هذه الترجمة والتي قبلها لما نبينه.
أما يوسف عليه السلام؛ فقال قتادة: لم يتمنّ الموت أحد؛ نبي ولا غيره، إلا يوسف عليه السلام حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ فقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [يوسف: 101] ، فاشتاق إلى لقاء ربه عزّ وجلّ. وقيل: إن يوسف عليه السلام لم يتمن الموت، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام. أي: إذا جاء أجلي توفني مسلما.
و هذا هو القول المختار في تأويل الآية عند أهل التأويل، واللّه أعلم «2» .
و أما مريم عليها السلام فإنما تمنّت الموت لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظنّ بها السوء في دينها وتعيّر، فيفتنها ذلك. الثاني: لئلّا يقع قوم بسببها في
(1) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 157/ 52) كتاب الجنائز- والبخاري (7115) ومسلم (2907) .
(2) انظر في ذلك: «الجامع لأحكام القرآن» للمصنف (9/ 269) و «تفسير القرآن العظيم» للحافظ ابن كثير (2/ 639) .