فلما مشى إليه ورآه الجمل برك لديه وجعل يمر بمشرفه على الأرض بين يديه، تذللا وتسخيرا؛ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «هات الخطام» فلما خطمه ورأى الناس يعجبون منه؛ ردّ رأسه إليه فقال: «ألا تعجبون» - أو كما قال- «إنه ليس شي ء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول اللّه، غير عاصي الجن والإنس» «1» .
و ثبت في الصحاح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «ما من دابة إلا وهي مصيخة بأذنها يوم الجمعة تنتظر قيام الساعة» «2» .
و قال صلى اللّه عليه وسلم: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شجر ولا مدر ولا شي ء إلا شهد له يوم القيامة» «3» .
قال المؤلف رحمه اللّه: خرجه مالك في «موطئه» وابن ماجه في «سننه» واللفظ له من حديث أبي سعيد الخدري.
و قد تقدم أن الميت يسمع صوته كل شي ء إلا الإنسان، وفي رواية إلا الثقلين. والأخبار في هذا المعنى كثيرة، قد أتينا على جملة منها في هذا الكتاب، فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور، من حيث هي لا من حيث نحن. قال اللّه تعالى: وإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44] وقال: ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ والْآصالِ ( SC) [ الرعد: 15] وقال عز من قائل: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ [الحج: 18] لا يقال إن هذا السجود والتسبيح بلسان حال، ليس بلسان المقال، فإنا نقول هذا مجاز «4» ، واللّه سبحانه يقص الحق كما أخبر في كتابه: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ [الأنعام: 57] .
و من نظر بنور اللّه جاز العين إلى المعنى، وحل الرمز وفك المعمى. وهم
(1) أخرجه أحمد (3/ 310) وأبو نعيم في «دلائل النبوة» رقم (279) والبزار (3/ 150 - 151/ 2452) . وإسناده ضعيف؛ انظر «مجمع الزوائد» (9/ 7) .
(2) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 68 - 69) كتاب الجمعة- باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة.
و أحمد (2/ 486 - 504) وأبو داود (1046) والترمذي (491) وغيرهم. وإسناده صحيح؛ انظر «إرواء الغليل» (3/ 228) .
(3) أخرجه البخاري (609، 3296، 7548) والإمام مالك في «الموطأ» (1/ 44) - 3 - كتاب الصلاة- (1) باب ما جاء في النداء للصلاة. وابن ماجه (723) .
(4) انظر في ذلك: «بطلان المجاز وأثره في إفساد التصور وتعطيل النصوص» لمصطفى عيد الصياصنة. و «الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل» ص 35 - 37 (الهامش) ط. المكتبة العصرية.