الحديث، وفي آخره: «أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك» «1» . فهذا إن ثبت مرفوعا فالركبان: هم المتقون السابقون، الذين يغفر اللّه ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة.
و الصنف الثاني: الذين يعذبهم اللّه بذنوبهم، ثم يخرجهم من النار إلى الجنة، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ثم يركبوا، أو يكونوا ركبانا، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا، ليتفق الحديثان.
و الصنف الثالث: المشاة على وجوههم وهم الكفار. وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف مسلمون وهم ركبان، وصنفان من الكفار، أحدهما: العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم.
قال المؤلف رحمه اللّه: وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب «كشف علوم الآخرة» في قوله عليه السلام: كيف يحشر الناس يا رسول اللّه؟ قال: «اثنان على بعير، وخمسة على بعير، وعشرة على بعير» . ومعنى هذا الحديث- واللّه أعلم- أن قوما يأتلفون في الإسلام برحمة اللّه، يخلق اللّه لهم من أعمالهم بعيرا يركبون عليه، وهذا من صنف العمل لكونهم يشتركون فيه، كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس مع واحد منهم ما يشتري به مطية توصله، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة فابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق ويبلغ بعير مع عشرة، فاعمل هداك اللّه عملا يكون لك به بعير خالص من الشركة. واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح، فالمتقون وافدون كما قال الجليل: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا [مريم: 85] .
و في غريب الراوية؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لأصحابه: «كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم» . قالوا له: وما كان يصنع؟ قال:
«ورث من أبيه مالا كثيرا، فاشترى بستانا، فحبسه للمساكين؛ وقال: هذا بستاني عند اللّه تعالى، وفرّق دنانير عديدة في الضعفاء، وقال: بهذا أشتري جارية من اللّه تعالى وعبيدا، وأعتق رقابا كثيرة وقال: هؤلاء خدمي عند اللّه تعالى، والتفت ذات يوم لرجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو، فابتاع له مطية يسير عليها، وقال: هذه مطيتي عند اللّه تعالى أركبها، والذي نفس محمد بيده لكأني أنظر إليها وقد جي ء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف» «2» .
(1) أخرجه أحمد (2/ 354، 363) والترمذي (3142) وهو في «ضعيف سنن الترمذي» (612) .
(2) لم أعثر عليه.