قال في الْأَصْلِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ الْعَنَاقَ وَالْجَفْرَةُ بِمَا ذُكِرَ هذا مَعْنَاهُمَا لُغَةً لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَفْرَةِ هُنَا ما دُونَ الْعَنَاقِ إذْ الْأَرْنَبُ خَيْرٌ من الْيَرْبُوعِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ تَرَكَهُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ في الْيَرْبُوعِ غَيْرُ جَفْرَةٍ لِأَنَّهَا بِمُقْتَضَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ سِنِّ الْعَنَاقِ وَذَلِكَ يُخَالِفُ الدَّلِيلَ وَالْمَنْقُولَ وفي الضَّبِّ وَأُمِّ حُبَيْنٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ دَابَّةٌ على خِلْقَةِ الْحِرْبَاءِ عَظِيمَةُ الْبَطْنِ جَدْيٌ
وَالْأَصْلُ في ذلك ما رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عنه فقال صَحِيحٌ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكَمَ في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه قَضَى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وفي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وفي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وفي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عن عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ قَضَوْا في النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَعُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ قَضَوْا في حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرِهِ بِبَقَرَةٍ وَعَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ الرحمن بن عَوْفٍ أَنَّهُمَا حَكَمَا في الظَّبْيِ بِشَاةٍ وَعَنْ ابْنِ عَوْفٍ وَسَعْدٍ أَنَّهُمَا حَكَمَا في الظَّبْيِ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وفي الْإِبِلِ بَقَرَةٌ وَعَنْ عَطَاءٍ في الثَّعْلَبِ شَاةٌ وفي الْوَبَرِ شَاةٌ وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَضَى في أُمِّ حُبَيْنٍ بِحُلَّانِ من الْغَنَمِ وهو بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْخَرُوفُ قَالَهُ في الْمَجْمُوعِ ثُمَّ قال وقال الْأَزْهَرِيُّ هو الْجَدْيُ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَأَمَّا الْحُلَّانُ وَيُقَالُ الْحُلَّامُ فَقِيلَ هو الْجَدْيُ وَقِيلَ الْخَرُوفُ وَيَحْكُمُ بِالْمِثْلِ فِيمَا لَا نَصَّ فيه عَدْلَانِ قال تَعَالَى يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَقِيهَانِ فَطِنَانِ كما في الْأَصْلِ لِأَنَّهُمَا أَعْرَفُ بِالشَّبَهِ الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا وَاعْتِبَارُ ذلك على سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَعَلَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وُجُوبَ اعْتِبَارِ الْفِقْهِ بِأَنَّ ذلك حُكْمٌ فلم يَجُزْ إلَّا بِقَوْلِ من يَجُوزُ حُكْمُهُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وما ذُكِرَ من وُجُوبِ الْفِقْهِ مَحْمُولٌ على الْفِقْهِ الْخَاصِّ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ هُنَا وما في الْمَجْمُوعِ عن الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ من أَنَّ الْفِقْهَ مُسْتَحَبٌّ مَحْمُولٌ على زِيَادَتِهِ
وَلَوْ قَتَلَاهُ أَيْ الصَّيْدَ لَكِنْ بِلَا عُدْوَانٍ كَخَطَأٍ أو اضْطِرَارٍ إلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَحْكُمَانِ بِالْمِثْلِ لِأَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَمَرَ رَجُلًا قَتَلَ ظَبْيًا بِالْحُكْمِ فيه فَحَكَمَ فيه بِجَدْيٍ فَوَافَقَهُ هو وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ من وَجَبَ عليه أَمِينًا فيه كَالزَّكَاةِ أَمَّا مع الْعُدْوَانِ أَيْ وَمَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَلَا يَحْكُمَانِ لِفِسْقِهِمَا وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ليس بِكَبِيرَةٍ فَكَيْفَ تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ بِارْتِكَابِهِ مَرَّةً وَيُجَابُ يُمْنَعُ ذلك بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهُ إتْلَافُ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ تَمْثِيلُ الْعُدُولِ بِأَنْ حَكَمَ عَدْلَانِ بِمِثْلٍ وَآخَرَانِ بِآخَرَ تَخَيَّرَ من لَزِمَهُ الْمِثْلُ كما في اخْتِلَافِ الْمُفْتِيَيْنِ وَيُقَدَّمُ فِيمَا لو حَكَمَ عَدْلَانِ بِأَنَّ له مِثْلًا وَآخَرَانِ بِأَنَّهُ لَا مِثْلَ له قَوْلُ مُثْبِتِي الْمِثْلِ لِأَنَّ مَعَهُمَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِمَعْرِفَةِ دَقِيقِ الشَّبَهِ أَمَّا ما فيه نَصٌّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عن صَحَابِيَّيْنِ أو عن عَدْلَيْنِ من التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ قال في الْكِفَايَةِ أو عن صَحَابِيٍّ مع سُكُوتِ الْبَاقِينَ فَيُتَّبَعُ ما حَكَمُوا بِهِ وفي مَعْنَاهُ قَوْلُ كل مُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ مع سُكُوتِ الْبَاقِينَ هذا كُلُّهُ في غَيْرِ الطُّيُورِ من الْحَيَوَانِ وَأَمَّا الطُّيُورُ فَفِي وَاحِدِ الْحَمَامِ وهو ما عَبَّ أَيْ شَرِبَ الْمَاءَ بِلَا مَصٍّ وَهَدَرَ هو من زِيَادَتِهِ أَيْ رَجَّعَ صَوْتَهُ وَغَرَّدَ كَالْيَمَامِ وَالْقُمْرِيِّ وَالدُّبْسِيِّ وَالْفَاخِتَةِ وَنَحْوِهَا من كل مُطَوَّقٍ شَاةٌ من ضَأْنٍ أو مَعْزٍ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ وَمُسْتَنِدُهُ تَوْقِيفٌ بَلَغَهُمْ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ إيجَابُ الْقِيمَةِ وَقِيلَ مُسْتَنَدُهُ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا وهو إلْفُ الْبُيُوتَ وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي في بَعْضِ أَنْوَاعِ الْحَمَامِ إذْ لَا يَأْتِي في الْفَوَاخِتِ وَنَحْوِهَا قال في الْأَصْلِ وَلَا حَاجَةَ في وَصْفِ الْحَمَامِ إلَى ذِكْرِ الْهَدِيرِ مع الْعَبِّ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه على الْعَبِّ انْتَهَى
وما نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ هو ما قَالَهُ في الْأُمِّ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ على الْهَدِيرِ في الْبُوَيْطِيِّ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فيه أَيْضًا وفي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ مَمْنُوعٌ بَلْ الْعَبُّ أَعَمُّ مُطْلَقًا فَبَيْنَهُمَا لُزُومٌ لَا تَلَازَمَ إذْ بَعْضُ الْعَصَافِيرِ يَعُبُّ وَلَا يَهْدِرُ كما نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عن بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وفي غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْحَمَامِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَكْبَرَ جُثَّةً منه أَمْ أَصْغَرَ أَمْ مثله كَطَيْرِ الْمَاءِ وَالْعُصْفُورِ الْقِيمَةُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ في الْمُتَقَوِّمَاتِ وقد حَكَمَتْ الصَّحَابَةُ بها في الْجَرَادِ
وَيُفْدَى الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ وَالسَّمِينُ وَالْهَزِيلُ وَالْمَعِيبُ بمثله وَلَوْ أَعْوَرَ يَمِينٌ بِيَسَارٍ وَلَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ نَوْعِ الْعَيْبِ