قِيلَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ لم يَجْتَمِعْ أَرْبَعُونَ إلَّا كان لِلَّهِ فِيهِمْ وَلِيٌّ وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدُ صَلَاةُ من يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ لِيُصَلِّيَ عليه من لم يُصَلِّ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ على من مَاتَ وَغُسِّلَ الْيَوْمَ من الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لم يُعْرَفْ عَدَدُهُمْ قال في الْمَجْمُوعِ وهو حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ بَابُ الدَّفْنِ لِلْمَيِّتِ وهو في الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ منه في غَيْرِهَا لِلِاتِّبَاعِ وَلِنَيْلِ دُعَاءِ الطَّارِقِينَ وفي أَفْضَلِ مَقْبَرَةٍ بِالْبَلَدِ أَوْلَى وَإِنَّمَا دُفِنَ صلى اللَّهُ عليه وسلم في بَيْتِهِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ في مَدْفَنِهِ وَلِأَنَّهُمْ خَافُوا من دَفْنِهِ في بَعْضِ الْمَقَابِرِ التَّنَازُعَ فيه فَتَطْلُبُ كُلُّ قَبِيلَةٍ دَفْنَهُ عِنْدَهُمْ وَلِأَنَّ من خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ وَاسْتَثْنَى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا الشَّهِيدَ فَيُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ حَيْثُ قُتِلَ لِخَبَرٍ فيه وَلِأَنَّ مَضْجَعَهُ يَشْهَدُ له وَلِأَنَّ بَعْضَهُ وهو ما سَالَ من دَمِهِ قد صَارَ فيه قال وَلَوْ كانت الْمَقْبَرَةُ مَغْصُوبَةً أو سَبَّلَهَا ظَالِمٌ اشْتَرَاهَا بِمَالٍ خَبِيثٍ أو نَحْوِهِمَا أو كان أَهْلُهَا أَهْلَ بِدْعَةٍ أو فِسْقٍ أو كانت تُرْبَتُهَا فَاسِدَةً لِمُلُوحَةٍ أو نَحْوِهَا أو كان نَقْلُ الْمَيِّتِ إلَيْهَا يُؤَدِّي لِانْفِجَارِهِ فَالْأَفْضَلُ اجْتِنَابُهَا قُلْت بَلْ يَجِبُ في بَعْضِ ذلك وفي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الدَّفْنَ في الْبَيْتِ مَكْرُوهٌ قال الْأَذْرَعِيُّ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِ حَاجَةٌ أو مَصْلَحَةٌ كما مَرَّ على أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ فَلَوْ قال بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُدْفَنُ في مِلْكِهِ وقال الْبَاقُونَ في الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ فَيُجَابُ طَالِبُهَا لِأَنَّ مِلْكَهُ قد انْتَقَلَ إلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ غَيْرُ رَاضٍ بِدَفْنِهِ فيه فَلَوْ تَنَازَعُوا في مَقْبَرَتَيْنِ ولم يَكُنْ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِشَيْءٍ
قال ابن الْأُسْتَاذِ إنْ كان الْمَيِّتُ رَجُلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ الْمُقَدَّمُ في الصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ وَإِنْ كان امْرَأَةً أُجِيبَ الْقَرِيبُ دُونَ الزَّوْجِ قال الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ التَّسَاوِي وَإِلَّا فَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى ما هو الْأَصْلَحُ لِلْمَيِّتِ فَيُجَابُ الدَّاعِي إلَيْهِ كما لو كانت إحْدَاهُمَا أَقْرَبَ أو أَصْلَحَ أو مُجَاوِرَةً لَا خِيَارَ وَالْأُخْرَى بِالضِّدِّ بَلْ لو اتَّفَقُوا على خِلَافِ الْأَصْلَحِ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ الِاعْتِرَاضُ عليهم فيه نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَيُؤَيِّدُهُ ما مَرَّ فِيمَا لو اتَّفَقُوا على تَكْفِينِهِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَإِنْ دَفَنَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ في أَرْضِ نَفْسِهِ لم يُنْقَلْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ وَلَيْسَ في إبْقَائِهِ إبْطَالُ حَقِّ غَيْرِهِ وَقَبْلَهُ أَيْ قبل دَفْنِهِ في أَرْضِ بَعْضِهِمْ لهم أَيْ لِبَقِيَّتِهِمْ الِامْتِنَاعُ من دَفْنِهِ فيها لِمَا فيه من الْمِنَّةِ عليهم فَيُجَابُونَ لِدَفْنِهِ في الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ ما لو قال بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ من مَالِي وقال الْبَاقُونَ من الْأَكْفَانِ الْمُسَبَّلَةِ حَيْثُ يُجَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ عَادَةَ الناس جَرَتْ بِالدَّفْنِ في الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ من غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُمْ عَارٌ بِخِلَافِ الْأَكْفَانِ الْمُسَبَّلَةِ وَقَوْلُهُ وَقَبْلَهُ لهم الِامْتِنَاعُ مَعْلُومٌ من قَوْلِهِ فَيُجَابُ طَالِبُهَا وَإِنْ كان الْمَدْفَنُ ثَمَّ من التَّرِكَةِ وَهُنَا من غَيْرِهَا أو دَفَنَهُ بَعْضُهُمْ في أَرْضِ التَّرِكَةِ فَلِلْبَاقِينَ لَا لِلْمُشْتَرِي منهم نَقْلُهُ وَالْأَوْلَى لهم تَرْكُهُ فَنَقْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ وَالْمُرَادُ كَرَاهَتُهُ كما عَبَّرَ بها في الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهَا عن الْأَصْحَابِ أَمَّا لو دَفَنُوهُ في مِلْكِهِ ثُمَّ بَاعُوهُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي نَقْلُهُ لِسَبْقِ حَقِّهِمْ فَقَوْلُهُ منهم أَيْ من الْوَرَثَةِ لَا من الْبَاقِينَ وَلَهُ أَيْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ في فَسْخِ الْبَيْعِ إنْ جَهِلَ الْحَالَ وهو أَيْ الْمَدْفِنُ له أَيْ لِلْمُشْتَرِي يَنْتَفِعُ بِهِ إنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ أو اتَّفَقَ نَقْلُهُ فَرْعٌ قال الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ لو مَاتَ رَقِيقٌ وَتَنَازَعَ قَرِيبُهُ وَسَيِّدُهُ في مَقْبَرَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فَفِي الْمُجَابِ مِنْهُمَا احْتِمَالَانِ بِنَاءً على أَنَّ الرِّقَّ هل يَزُولُ بِالْمَوْتِ وقد مَرَّ وَأَقَلُّ الْوَاجِبِ في الْمَدْفِن حُفْرَةٌ تَصُونُ جِسْمَهُ عن السِّبَاعِ غَالِبًا وَرَائِحَتَهُ قال الرَّافِعِيُّ وَالْغَرَضُ من ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَلَازِمَيْنِ كَالْفَسَاقِيِ التي لَا تَكْتُمُ الرَّائِحَةَ مع مَنْعِهَا الْوَحْشَ فَلَا يَكْفِي الدَّفْنُ فيها وقد قال السُّبْكِيُّ في الِاكْتِفَاءِ بِالْفَسَاقِيِ نَظَرًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِكَتْمِ الرَّائِحَةِ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ على هَيْئَةِ الدَّفْنِ الْمَعْهُودِ شَرْعًا قال وقد أَطْلَقُوا تَحْرِيمَ إدْخَالِ مَيِّتٍ على مَيِّتٍ لِمَا فيه من هَتْكِ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ رَائِحَتِهِ فَيَجِبُ إنْكَارُ ذلك وَالْأَكْمَلُ في الدَّفْنِ قَبْرٌ وَاسِعٌ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في قَتْلَى أُحُدٍ أَسْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُهُ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ من رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ لَهُمَا بِأَنْ يَقُومَ بَاسِطًا يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ لِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ في الْمَقْصُودِ وَهُمَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٍ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ أَنَّهُمَا