فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 222

ولّما علم الله- عز وجل- عِظَم الأمانة وثقل التكليف الذي حمله الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف المفتقر بذاته إلى ربه وخالقه، ولما كان الله الحكيم الخبير لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فقد خلق الله الإِنسان مفطورًا بطبعه على معرفة ربه، وتوحيده، والتزام طاعته وعبادته وحده لا شريك له، فلا يتلقى إلا منه ولا يتوجه إلا إليه.

قال- تعالى-:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [سورة الأعراف، الآيات: 171 - 174] .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، َ قَالَ:"يَقالُ للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فَيَقُول: ُ نَعَم، ْ فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تُشْرِكَ بي" [1] .

من رحمة الله أن لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة الرسالية:

وبالرغم من قيام الحجة وانقطاع العذر، شاء الله العليم الخبير بحكمته البالغة -رحمةً منه وفضلًا- أن لا يؤاخذ بني آدم بمقتضى ميثاق الفطرة وحده. وأن لا يعذب أحدًا إلا بعد أن يقيم عليه الحجة الرسالية. قال-تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [سورة الإسراء، الآية:15] . فبعث الله رسله تترى، تذكّر الناس بميثاقهم الأول مع ربهم وخالقهم، وبالأمانة الكبرى التي حملهم إياها في أرضه، وتأمرهم أن يلتزموا بمقتضى استخلاف الله لهم في هذه الحياة، وتقطع عليهم آخر الأعذار التي يمكن أن يجادل بها بنو آدم ربهم. (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [سورة النساء، الآية: 165] .

يقول الإمام ابن القيم: (فليس في العقول أَبْين ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه من العيوب والنقائص، وجاءت الرسل بالتذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها. وكذلك في الفطرة الإقرار بسعادة النفوس البشرية وشقاوتها، وجزاؤها بكسبها في غير هذه الدار، وأما تفصيل ذلك الجزاء والسعادة والشقاوة فلا تعلم إلا بالرسل. فالرسل تذكر بما في الفطر وتفصله وتبينه، ولهذا كان العقل الصريح موافقًا للنقل الصحيح، والشِرعة مُطَابقة للفطرة يتصادقان ولا يتعارضان) أ. هـ. [2]

(1) أخرجاه في الصحيحين، جاء عن ابن عباس فيما رواه ابن جرير أن الله أخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وجاء عن أبي بن كعب فيما رواه عنه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه أن الله -عز وجل- قال لهم: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم، أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري. ولا تشركوا بي شيئًا. وإني سأرسل إليكم رسلًا ليذكروكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، ولا رب لنا غيرك. فأقروا له يومئذ بالطاعة. راجع نصوص هذه الروايات بتمامها في الجزء الأول من معارج القبول ص34 وبعدها.

(2) شفاء العليل ص 301، 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت