وأهل السنة والجماعة كانوا يختلفون فيما بينهم على المسائل العلمية والعملية ولكنهم يضبطون سلوكهم - مهما كان حجم الخلاف- بأدب الاختلاف من الود والألفة، والاحترام المتبادل في إطار أساسي هو: المحافظة علي الجماعة والائتلاف وجمع الشمل، ونبذ التفرق والاتهام.
* (إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، صلى الله عليه وسلم، بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكَانَ قَدْ بُعِثَ إلَى ذَوِي أَهْوَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُتَشَتِّتَةٍ، وَآرَاءٍ مُتَبَايِنَةٍ، فَجَمَعَ بِهِ الشَّمْلَ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَعَصَمَ بِهِ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ.
ثُمَّ إنَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ -وَهُوَ الْجَمَاعَةُ- عِمَادٌ لِدِينِهِ .. وَقَدْ كَرِهَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ الْمُجَادَلَةِ مَا يُفْضِي إلَى الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ .. فَوَصَفَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ بِأَنَّهُمْ الْمُسْتَمْسِكُونَ بِسُنَّتِهِ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْجَمَاعَةُ .. وَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إذَا تَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ اتَّبَعُوا أَمْرَ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) وَكَانُوا يَتَنَاظَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُنَاظَرَةَ مُشَاوَرَةٍ وَمُنَاصَحَةٍ، وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ الْأُلْفَةِ وَالْعِصْمَةِ وَأُخُوَّةِ الدِّينِ .. وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَحْكَامِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْضَبِطَ، وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا اخْتَلَفَ مُسْلِمَانِ فِي شَيْءٍ تَهَاجَرَا، لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمينَ عِصْمَةٌ وَلَا أُخُوَّةٌ) ج24 ص170.
* (وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا: وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ) ج3 ص229.
* (وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يُجَوِّزُونَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ بِكَوْنِ الْأَعْمَالِ مِنْهُ، وَيَذُمُّونَ الْمُرْجِئَةَ. وَالْمُرْجِئَةُ عِنْدَهُمْ الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ الْفَرَائِضَ وَلَا اجْتِنَابَ الْمَحَارِمِ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِالْإِيمَانِ .. فَتَبَيَّنَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَدْ يَكُونُ لَفْظِيًّا .. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ جِنْسِ الْمُنَازَعَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ) ج13 ص41 - 47.