وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول:"والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت حتى ما تقلني رجلاي،، وحتى هوِيت إلى الأرض"، فلشدة حب الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلقهم به نُزلوا منزلة من يستبعد موته، وكأنهم يعتقدون أنه يجمع بين الرسالة والتبري من الهلاك؛ ولذا كان القصر قصر إفراد، ثم اقرأ سياق الآية الثانية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المائدة: 73 - 75) فستقف منه على حال هؤلاء، فهم اعتقدوا أن عيسى - عليه السلام - إله وأن الله ثالث ثلاثة؛ ولذا كان القصر هنا قصر قلب؛ حيث قلبَ اعتقادهم وأفاد أن المسيح مقصور على كونه رسولًا يخلو كما خلت الرسل من قبله، لا يتجاوز ذلك إلى مرتبة الألوهية التي اعتقدوها.
ويتكون حال المخاطب لدى المتكلم وترسم في ذهني من خلال خبرته ومعرفته بشئون مخاطبه؛ فعند التأمل تجد أن حال المخاطب تؤول إلى المتكلم وما قد علمه ووعاه عن مخاطبه، وفي كثير من الشواهد لا تستطيع أن تحدد مخاطبًا أو تعين حالًا له، بل تجد القصر منظورًا فيه إلى حال المتكلم وما يحكيه عن نفسه، فهذا مظهر جديد من مظاهر القصر وصورة أخرى من صوره، تأمل مثلًا قول الشاعر:
وكنت أمرأً ألقى الزمان مسالمًا ... فآليت لا ألقاه إلا محاربًا
تجد القصر فيه قصر قلب، فالشاعر قد تغير وتبدل، وانقلب من امرئ يلقى الزمان مسالمًا إلى امرئ لا يلقاه إلا محاربًا، وأنت إن ذهبت تفتش عن حالٍ هنا لا تجد إلا حال المتكلم وحديثه عن نفسه.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) }