ثم تلاحظ معي التدرج في القدرة والغلبة والقهر والهيمنة، فإذا كان في البشر من يستطيع بماله وجاهه وسلطانه أن يعطي ويمنع، وأن يعز ويذل على وجه من الوجوه، فقد جاءت الآية الكريمة بأمور متضادة ينفرد بها المهيمن - عز وجل - وهي إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، فضلًا عمن جاء دالًّا على كمال قدرة الله - جل وعلا - فمن ذا الذي يستطيع القدرة على كل ذلك؟! إنها أمور ينفرد بها القادر - سبحانه وتعالى - .
ولعله بهذا قد اتضح لك أن الطباق ليس قاصرًا على الزينة والزخرف، وليس الهدف منه مجرد التزويق الشكلي، بل إنه ليتجاوز ذلك إلى أهداف أسمى وغايات لا تتناهى.
{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ... 36)}
وهناك الضرب الثاني من ضربي المجاز المركب، وهو المجاز المركب المرسل: فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة، من ذلك مثلًا قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى}
فالله يعلم ما وضعت، وامرأة عمران تعرف أنه تعالى لا يخفى عليه شيء ، فهي لم تُرد الإخبار بما وضعت، وإنما أرادت أن تُبدي حزنها وتحسرها؛ لعدم مجيئه ذكرًا، حيث كانت قد وهبته ونذرته لخدمة بيت الله، فهو إذن مجاز علاقته اللزومية؛ إذ يلزم من إخبارها بوضع الأنثى أنها حزينة متحسرة.
من ذلك قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) فقد أراد يوسف - عليه السلام - إظهار الغبطة والسرور، فهو مجاز مركب علاقته اللزومية أيضًا؛ إذ يلزم من إخباره بأن الله قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، إبداء سروره، وإظهار غبطته، والقرينة أن الله - عز وجل - عليم بذات الصدور، ويوسف يعرف أنه تعالى في غنًى عن إخباره، ولا تخفى عليه خفية.