ثم أخبر عن إباحة السلم بعد تحريم الربا بالفضل والكرم بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ} [البقرة: 282] ، والإشارة فيها: أن الله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم، والأخذ بالاحتياط والاستظهار؛ لئلا يجري من بعضهم على بعض حيف؛ ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض، فأمر بتحصين الحقوق بالكتابة والإشهاد، وأمر الشهود بالتحمل ثم بالإقامة، وأمر الكاتب أن يكتب علمه الله بالعدل ورعى في ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها، فيشير بهذه المعاني إلى ثلاثة أحوال:
أولها: حال الله مع عباده، فيظهر آثار ألطافه معهم وغاية عنايته في حقهم أنه تبارك وتعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية، حتى لا يكونوا في خسران من أمر ديناهم، ولا يكون فيها بينهم عداوة وحقد وخصومة تودي إلى تنقيص عينهم في الدنيا، ووبال عقوبة في الآخرة، فيلستدلوا بها أن تكاليف الشرع التي أمروا بها أيضاً من كمال عاطفته ورحمته واستعملهم بها؛ ليفيض عليهم سجال نعمه ويسبغ عليهم ظلال كرمه، كقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 6] .