وثانيها: حال العباد مع الله تعالى؛ ليعلموا هذه الدقائق للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم أن للأمور الدنيوية الفانية فيما بينهم، إن للأمور الأخروية الباقية فيما بينهم، وبين الله تعالى أيضاً دقائق أ كثر منها وأدق، والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خير مثابون، وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون، وأنها بالرعاية أحرى وأولى، وأخروي من أمور الدنيا، وأن الله تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليهم العدول، كذلك كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] ، وعلى هذا عاهدهم وأشهد الملائكة الكرام عليه، ثم رقم في الكتاب أن ياقتوتة من الجنة وديعة وهي الحجر الأسود.
ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111] ، واليوم أنتم مطالبون بالثمن، فإن تسلموا إليه بالتمام فقد سلم إليكم المبيع، وإن حوسبتم غداً وبقي عليكم مثقال ذرة من الثمن، فتحبسون في سجن السجين حتى تخرجوا من عهدته، وإن الله تعالى أمركم أن {وَلاَ تَسْأَمُوا} [البقرة: 282] ، أن تكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلونه في أعناقكم، فتبعثون يوم القيامة، {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً} [الإسراء: 13] ، ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال، إقرأ كتابكم
{كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء: 14] .