{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ؛ يعني: كل صفة من صفات النفس إذا غلبت واستولت عليكم، {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] ، وعالجوها بضدها، فإن غلبت بالبخل عالجوها بالسخاء، وإن غلبت بالغضب عالجوها بالحلم، وإن غلبت بالحرص عالجوها بالترك والزهد، وإن غلبت بالشهوة عالجوها بالرياضة والعقلة، فعلى هذا فقس الباقي، {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ، فاعتدوا عليها حتى تغلبوا عليها، {وََاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194] ، في إفراط الاعتداء والاحتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات، وفي تفريط الاعتداء اجتناباً من الركون إلى شهوات النفس ومواقفها في المخالفات وهلاكها في فرط الآفات، {وَاعْلَمُو أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] ، بالنصرة إلى جهاد النفس وقهرها، ومنعها من الاعتداء بالتوفيق للاتقاء.
{وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 195] ، من الأموال والأنفس التي اشتراها الله منكم كقوله تعالى: {وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الصف: 11] ، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، في جهاد النفس بإفراط الاعتداء وتفرطه، ولا في جهاد الكفار بالإفراط بأن يبارز واحد على رهط، ولا بالتفريط بأن يفر واحد من الأثنين، وأيضاً: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بالتفريط في الحقوق ولا بالإفراط بالحظوظ، وأيضاً: بموافقات النفوس ومخالفات النصوص، وأيضاً: بترك النفوس وتخلية القلوب، وأيضاً: بملاحظة الأعمال في استجلاء الأحوال، وأيضاً: بالركون إلى الفتور بالحسان والغرور.