وإنما تعديب النفوس؛ لرفع فتنتها بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] وفتنتها معارضتها ومنازعتها مع القلب بدواعيها وشهواتها، وشربها عن شاربها، فعلاجها بمباشرة أضدادها حتى يصح مزاجها في العبودية ولا تبقى معها آثار البشرية، {وَيَكُونَ} [البقرة: 193] ، استسلامها، {الدِّينُ للَّهِ} [البقرة: 193] ، فلا تعارض لحكم من الأحكام، ولا تنازع في شيء مما يرويه الإسلام، {فَإِنِ انْتَهَوْا} [البقرة: 193] ، فإن استسلمت النفوس {فَلاَ عُدْوَانَ} [البقرة: 193] ؛ أي: الجور والتعذيب، {إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ، الذين يعبدون الهوى والدنيا من دون المولى.
ثم أخبر عن اعتداء أهل الهوى ومجازاتهم بالاعتداء بقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 194] ، اشار فيها أن يفوتكم من الأوقات بتوالي النفوس ونزاعها وغلبات صفاتها واستيلائها فتداركوه؛ الشهر بالشهر، واليوم باليوم، والساعة بالساعة، والوقت بالوقت، والأوراد بالأوراد، {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194] ، واقضوا الغاية، واقتضوا الحقوق.