ثم أخبر عن وبال التبديل لأهل التحصين بقوله تعالى: {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} [البقرة: 181] ، الآيتين والإشارة فيهما أن من غير من الروح والقلب والسر الوصية الصادرة من نفسه الميتة عن أوصافها الذميمة الحيوانية عند شواهد الغيب وإزالة شوائب الريب إليه بترك المشارب الجزئية من المطالب الغيرية، {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} بسمع القبول في ترك الفضول، وشم رائحة ورد المحبة بمشام الرغبة، وذاق زلال الوصال من مشارب الأعمال، فهبت عواطف الجلال بتغير الأحوال العزة والملك الكبير المتعال، فحجب بعد ما كوشف ورد ما خوطب، والبعد بعد ما كان قريباً، وعاد الإسلام غريباً كما بدأ غريباً، {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} [البقرة: 181] أي: جرمه وجنايته، {عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} [البقرة: 181] ؛ أي: على القلب والروح والسر، أو على الكل الذي يبدلون الوصية ترك مشاربهم الطبيعية الإنسانية، {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} [البقرة: 181] لهذا الوصية المرضية، {عَلِيمٌ} [البقرة: 181] بما في النيات والطويات من الرجوع إلى مشارب الطبيعة بعد تنسم روائح نفحات الحقيقة، وإنما اختصت النفس بهذه الوصية؛ لمعنيين:
أحدهما: لأن الوصية مخصوصة بمن حضره الموت مخصوص بالنفس عند حضور القلب والروح والسر مع الله؛ لأن حياة النفس في موتهم، وموتها في حياتهم، وحياتهم بالحضور مع الله، وموتهم في بعدهم من الله؛ ولهذا قال الله تعالى في حق أهل البعد: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقال في حق أهل الحضور: {لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً} [يس: 70] ، وحضور كل واحد منهم من الله يوجب حياته، والوصية مخصوصة بمن حضره الموت وهي: النفس على التحقيق.