والثاني: لأن النفس لمَّا انعكست عليها أنوار الحضور من مرآة القلب ظهرت لهذا خساسة صفاتها الذميمة الحيوانية الفانية، وذاقت حلاوة ونفاسه الصفات الحميدة الروحانية الباقية فاطمأنت إليها ورضيت بها، فترجع إلى ربها وتموت عن صفاتها، وتركت كل ما كان خيراً عندها؛ لأنها علمت بالحقيقة
{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ} [النحل: 96] ، فكتب عليها بقلم العلم الحقيقي الوصية على الإنسان عند الموت عن صفاته للوالدين والأقربين من الروح والبدن والقلب والسر يتعظوا بها ويقبلوا وصيتها كقوله صلى الله عليه وسلم:"كفى بالموت واعظاً"لكن القلب والروح والسر كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم روحانية حميدة باقية، فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً.
وقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} [البقرة: 182] ؛ أي: تفرس من هذه الوصية على الموصى له، {جَنَفاً} في ترك مشاربه بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات، أو تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع، {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182] ؛ يعني الروح والبدن والقلب والسر والوصية إلى العدل والحق؛ ولكن بنظر صاحب ولاية كامل؛ ليطرق سلوك طريق الحق؛ ليخرجهم من ظلمات الطبع، وهذا أحد أسرار بعثة الأنبياء عليهم السلام، فافهم جدّاً.
{فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 183] ، أي: فلا حرج على المصلح بينهم فيما يواسيهم ويداري معهم ويرفق بهم ببعض الرخص، فإن الحمل على الصدق المحض لا يثبت له إلا قليل من المجذوبين، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} [البقرة: 182] أي: يستر ما به يغان على قلب السالك عند فترة أو وقفة أو رخصة في رجوعه إلى الله بالاستغفار، {رَّحِيمٌ} [البقرة: 182] ؛ أي: يلطف ويعطف به بالرحمة كقوله صلى الله عليه وسلم:"إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة".