فلما بذل الفراش للشمع مقصودة، وهي تحقيق قوله تعالى:"لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ومؤيداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش"حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي} [البقرة: 152] ، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضاً على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] ، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.
وشكر المنعم أيضاً على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:"إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني".
ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاسْتَعِينُوا} [البقرة: 153] ، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر {بِالصَّبْرِ} [البقرة: 153] ، مع الله وهو من أعمال القلب {وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153] ، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى: