فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:"وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكوراً، والمذكور ذاكراً بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] ، وكما قال قائلهم:
رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ ... فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ
فَكَأَنَّها خَمرٌ وَلا قَدح ... وَكَأَنَّها قَدحٌ وَلا خَمرُ
ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:
أَنامَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا ... نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا
فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ ... وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا