وكَمْ رِجالٍ بِلا أرْضٍ لِكَثْرتِهِمْ ... تَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضاً بِلا رَجُلِ
ما زال طِرْفُك يَجْري في دِمائِهِمُ ... حتّى مَشى بِكَ مَشْيَ الشّارِبِ الثَّمِلِ
قوله: وكم رجال... البيت يقول: كم جمع الأعداءُ لك جُموعاً تغيبُ الأرضُ من كثرتهم وتخفى على الأبصار حتّى كأنّهم رجالٌ بلا أرض فقتلتهم وأفنيتَهم حتّى خلِيَت أرضهم فبقيت ولا رجلَ فيها، وفي هذا البيت نظر من ناحية كثرة الجيش إلى قول أبي تمَّام في صفة جيش:
مَلأَ المَلا عُصَباً فكادَ بأنْ يُرى ... لا خَلْفَ فيهِ ولا لَه قُدّامُ
وقوله: ما زال طِرفك... . البيت، فالطِّرْف: الفرس الكريم، والثَّمِل السّكران، يقول: ما زِلْتَ تخوض دماءَهم بفرسِك حتّى تعثّر بالقتلى وأمالَتْه دماؤُهم عن سُنَنِ جَرْيِه وأزْلَقَتْه حتّى مشى بك مشْيَ السكران
وقال الشَّابُ الظّريفُ من قصيدةٍ له يمدح بها ابن عبد الظاهر:
ومَعْشَرٍ لَمْ تَزَلْ لِلْحَرْبِ بِيضُهُمُ ... حُمْرَ الخُدودِ وما مِنْ شَأنِها الخَجَلُ
إذا انْتَضَوْها بُروقاً صُيِّرَتْ سُحُباً ... يَسيلُ مِنْ جانِبَيْها عارِضٌ هَطِلُ
يَثْني حَديثُ الوَغى أعْطافَهُمْ طَرَباً ... كأنَّ ذِكْرَ المَنايا بَيْنَهُمْ غَزَلُ
كَمْ نارِ حَرْبٍ بِهِمْ شُبَّتْ وهُمْ سُحُبٌ ... وأرْضِ قَوْمٍ بِهِمْ فاضَتْ وهُمْ شُعَلُ
وقال الشاعر أبو الفرج البَبَّغاء شاعرُ اليتيمة:
يَسْعى إلى المَوْتِ والقَنا قِصَدٌ ... وخَيْلُه بالرؤوس تَنْتَعِلُ
كأنَّه واثِقٌ بأنَّ لَه ... عُمْراً مُقيماً وما لَه أجَلُ
والقنا قِصَدٌ: أي قِطَعٌ، والمفرد: قِصْدَة وهي: القِطعة من الشيء إذا انكسر
وقال آخر:
كأنَّ سُيوفَه صيغَتْ عُقوداً ... تَجولُ عَلى التَّرائِبِ والنُّحورِ
وسُمْرَ رِماحِه جُعِلَتْ هُموماً ... فَما يَخْطُرْنَ إلا في ضَميرِ
ومن كلام علي بن أبي طالب: رُبَّ حياةٍ سَببُها التَّعرُّضُ للموت، ورُبَّ منيَّةٍ سببُها طلبُ الحياة.