4 -ثم ذكر ما لهم من جمال في الصورة واعتدال في القوام، فقال: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ} ؛ أي: رأيت أولئك المنافقين. والرؤية بصرية والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل: لكل من يصلح له. ويدل عليه قراءة من قرأ {يُسْمَع} على البناء للمفعول. {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} ؛ أي: هيئآتهم ومناظرهم. يعني: أن لهم أجسامًا تعجب من يراها؛ لما فيها من النضارة والرونق وصباحة الوجه. {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} فتحسب أن قولهم حق وصدق؛ لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم. وقد كان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فصبحًا جسيمًا جميلًا، وكان يحضر مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قال .. سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته. قال الكلبي المراد عبد الله بن أبيّ، وجد بن قيس، ومعتب بن قيس، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة. و {اللام} : في قوله: {تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} صلة. وقيل: تصغي إلى قولهم. وكان عبد الله بن أبيّ ونفر من أمثاله - وهم -: رؤساء المدينة - يحضرون مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه يعجبون بهياكلهم، ويسمعون إلى كلامهم. وإن الصباحة وحسن المنظر لا يكون إلا من صفاء الفطرة في الأصل، ولذا قال عليه السلام:"اطلبوا الخير عند حسان الوجوه"أي: غالبًا. وكم من رجل قبيح الوجه قضاء للحوائج. قال بعضهم:
يَدُلُّ عَلَى مَعْرُوفِهِ حُسْنُ وَجْهِهِ ... وَمَا زَالَ حُسْنُ الْوَجْهِ إِحْدَى الشَّوَاهِدِ
وفي الحديث:"إذا بعثتم إليَّ رجلًا .. فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم". ثم لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبة الرين على قلوب المنافقين، وانطفاء نور استعدادهم، وإبطال الهيئات الدنية العارضية خواصهم الأصلية .. أيس منهم وتركهم على حالهم.
وروي عن بعض الحكماء: أنه رأى غلامًا حسنًا وجهه، فاستنطقه لظنه ذكاء فطنته، فما وجد عنده معنى: فقال: ما أحسن هذا البيت لو كان فيه ساكن!