وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب ، حتى قيل: إن المراد بها الزكاة. وهي تشمل النافلة ، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة ، وتدخل في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى ، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس ، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما ، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب ، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس ، كما بينه تعالى بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء: 29] . وكما امتجح الله تعالى قوماً بالاعتدال في قوله: {والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] .
وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفسلفة الأخلاقية القائلة:"الفضيلة وسط بين طرفين"أي طرفي الإفراط والتفريط. فالشجاعة مثلاً وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين التبذير والتقتير.
والغنفاق جوانب متعددة ، وأحكام متفاوتة ، قد بين الشيخ رحمه الله جانباً من الأحكام ، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى ، وتنحصر في الآتي: نوع ما يقع منه الإنفاق ، الجهة المنفق عليها ، موقف المنفق ، وصورة الإنفاق.
أما ما يقع منه الإنفاق: قد بينه تعالى أولاً من كسب حلال لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .
وقوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] .