{وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون} [الحشر: 9] .
فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم: هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً ، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعاً ، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها ، فتبرع بالإنفاق في غير واجب ، وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم:"وابدأ بمن تعول"، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم ، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة ، وكان واثقاً من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال.
وأما على القول بأن قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] يعني به الزكاة ، فالأمر واضح ، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه.
والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة:
الأولى: الإنفاق من بعض الماء بصفة عامة ، كما في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} .
الثانية: الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه ، كما في قوله تعالى {وَآتَى المال على حُبِّهِ} [البقرة: 177] ، وهذا أخص من الأول ، وقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان: 8] الآية.
الثالثة: الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] فهي أخص من الخاص الأول.