{مَا ظَنَنْتُمْ} أيها المسلمون {أَنْ يَخْرُجُوا} ؛ أي: أن يخرج بنو النضير من ديارهم وبيوتهم بهذا الذل والهوان؛ بشدة بأسهم ووثاقة حصونهم؛ لأنهم كانوا أهل حصون مانعة، وعقار ونخيل واسعة، وأهل عَدد كثيرة وعُدد وافرة. {وَظَنُّوا} ؛ أي: ظن بنو النضير ظنًا قويًا هو بمرتبة اليقين؛ لأن {أَنْ} لا تقع إلا بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته. {أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ} وحافظتهم {حُصُونُهُمْ} وقلاعهم {مِنَ} بأس {اللَّهِ} وعذابه وبطشه؛ أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وقهره وبطشه. وقوله: {مَانِعَتُهُمْ} خبر مقدم، {حُصُونُهُمْ} مبتدأ مؤخر، والجملة خبر {أَنَّهُمْ} . وقدم الخبر وأسند الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم في عزة ومنعة لا يبالى بسببها، فتقديم المسند يفيد قصر المسند إليه على المسند. فإن معنى قائم زيد: أن زيدًا مقصور على القيام لا يتجاوزه إلى القعود، وكذا معنى الآية: أن حصونهم ليس لها صفة غير المانعية، ويجوز أن يكون {مَانِعَتُهُمْ} خبر {أَنَّهُمْ} ، و {حُصُونُهُمْ} فاعل {مَانِعَتُهُمْ} لاعتماده على المبتدأ. ورجح الثاني أبو حيان، والأول أولى.
فإن قيل: ما المانع من جعل {مَانِعَتُهُمْ} مبتدأ {حُصُونُهُمْ} خبرًا، فإن كليهما معرفة؟
قلت: كون {مَانِعَتُهُمْ} نكرةً؛ لأن إضافتها غير مخصصة، وأن القصد إلى الإخبار عن الحصون.
{فَأَتَاهُمُ اللَّهُ} ؛ أي: أتى بني النضير أمرُ الله وقدره المقدور لهم {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} ولم يظنوا ولم يخطر ببالهم؛ أي: أتاهم أمر الله من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة، وهو: أنه سبحانه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم وإجلائهم، وكانوا لا يظنون ذلك. وقيل: هو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه، قاله ابن جريج، والسدي، وأبو صالح؛ فإنّ قَتْلَهُ ممَّا أضعف قوتهم، وقيل شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب. و {الفاء} : إما للتعقيب إشارة إلى أن البأس لم يكن متراخيًا عن ظنهم، أو للسبب إشارة إلى أنهم إنما أخذوا بسبب إعجابهم بأنفسهم وقطعهم النظر إلى صدرة الله وقوَّته.