قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد، وفتح قريظة مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان، انتهى. أي: أمر بإخراج أهل التوراة؛ يعني: بني النضير من ديارهم. جمع دار. والفرق بين الدار والبيت: أن الدار دار وإن زالت حوائطها، والبيت ليس ببيت بعدما انهدم جدرانها؛ لأن البيت اسم لمبنى مسقف، مدخله من جانب واحد بني للبيتوتة، سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثة. وهذا المعنى موجود في الضُّفَّة إلا أن مدخلها واسع، فيتناولها اسم البيت. والبيوت اسم أخص بالمسكن، والأبيات بالشِّعر.
و {اللام} في قوله: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} للتوقيت كاللام في قوله: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} ، متعلقة بـ {أَخْرَجَ} ؛ أي: عند أول حشرهم وسوقهم إلى الشام، وفي"كشف الأسرار": اللام لام العلة؛ أي: أخرجوا من ديارهم ليكون حشرهم إلى الشام أول الحشر، والحشر معناه: إخراج جمع من مكان إلى آخر، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، إذ كان انتقالهم من بلاد الشام إلى جانب المدينة عن اختيار منهم، وهم أول في أخرج به من جزيرة العرب إلى الشام، فعلى هذا الوجه ليس الأول مقابلًا للآخر.
وسميت جزيرة؛ لأنه أحاط بها بحر الحبشة وبحر فارس ودجلة والفرات. قال الخليل بن أحمد: مبدأ الجزيرة من حفر أبي موسى، إلى اليمن في الطول، ومن رمل بِبِريش - وهو موضع بحذاء الإِحساء - إلى منقطع السماوة في العرض. والسماوة بالفتح: موضع بين الكوفة والشام. أو يقال: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم إجلاء عمر - رضي الله عنه - إياهم من خيبر إلى الشام، وذلك حين بلغه الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا يبقين دينان في جزيرة العرب". وقيل: آخر الحشر: حشر جمع الناس يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام. قال عكرمة: من شك أن المحشر يوم القيامة في الشام .. فليقرأ هذه الآية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لهم:"اخرجوا".. قالوا: إلى أين؛ قال:"إلى أرض المحشر". قال ابن العربي: الحشر أوّل وأوسط وآخر. فالأول: إجلاء بني النضير، والأوسط: إجلاء أهل خيبر، والآخر: يوم القيامة، انتهى.