قال الفقيه - رحمه اللَّه -: والذي يجب من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!
ووجه آخر في هذا: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:"أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، وقال:"نصرت بالرعب مسيرة شهرين"، فلو اختص ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لنفسه، لجاز له بما قال، ولكن اللَّه جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منَّة له على أمته، ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، واللَّه أعلم.
ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل اللَّه له الفيء ليكتسب به الفضائل. والمعروف، واللَّه أعلم.
وفي قوله:"نصرت بالرعب مسيرة شهرين": دلالة أن ما أفاء اللَّه على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئًا يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما نصر بالرعب؛ فجاز أن يختص بها قومه واللَّه أعلم.