فالجواب: أن فيه معنى لطيفاً وهو أن الله تعالى يقول: الاقتتال بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع لأن كل طائفة تظن أن الأخرى فئة الكفر والفساد كما يتحقق في الليالي المظلمة، أو يقع لكل طائفة أن القتال جائز باجتهاد خطإ، فقال تعالى: الاقتتال لا يقع إلى كذا فإن بَانَ لَهُمَا أو لأحدهما الخطأ واستمرّ عليه فهو نادر وعند ذلك يكون قد بغى فقال: «فَإنْ بَغَتْ» يعني بعد انكشاف الأمْر، وهذا يفيد النُّدْرة وقِلَّةَ الوقوع.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال: فإنْ بَغَتْ ولم يقل: فَإن تَبْغِ؟
فالجواب: ما تقدم في قَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتَتَلُوا) ولم يقل: يَقْتَتلُوا.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم قال هاهنا: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل} ولم يذكر العدل في قوله: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ؟
فالجواب: أن الإصلاح هناك بإزالة الاقتتال نفسه، وذلك يكون بالنصيحة وبالتهديد والزجر والتعذيب والإصلاح هاهنا بإزالة آثار الاقتتال بعد ارتفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم فقال: «بالْعَدْلِ» فكأنه قال: فاحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق وأَصْلِحُوا بالْعَدْلش فيما يكون بينهما لئلا يؤدي إلى ثَوَرَان الفتنة بينهما مرة أخرى.
«فَإِنْ قِيلَ» : لما قال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالعدل فأيةُ فائدة في قوله: وَأَقْسِطُوا؟
فالجواب: أنّ قوله: «فَأَصْلحُوا بَيْنَهُمَا» كأن فيه تخصيصاً بحال الاقتتال فعمَّ الأمر بالعدل وقال: وأقصدوا أي في كل أمر فإنه مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة وهي محبة الله والإقساط أزالة وهو الجَوْر والقَاسِطِّ هو الجَائِرُ.
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) }
«فَإِنْ قِيلَ» : عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل: اتَّقُوا وقال هَاهُنَا (اتَّقوا) مع أنَّ ذلك أهم؟